دكتور عبد العزيز الدوري

37

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

الرسالة الثانية نظرة شاملة إلى صدر الإسلام - 1 - تتكّون الحضارة عامة نتيجة تفاعل الإنسان والبيئة بمظاهرها ونواحيها المختلفة . ويكون تحكم البيئة الطبيعية قويا في المجتمعات الأولية خاصة . كما أن المجتمع بفعالياته المختلفة يؤثر هو أيضا ويؤدي إلى تطورات جديدة . وهكذا تتبادل التأثيرات وتتوالى ، وتساعد على التطور بالمعنى الشامل . ويتمثل أثر الطبيعة لقطر ما في مناخه وأمطاره ، في طبيعة أرضه ومجاري مياهه ، في موارده وثرواته الطبيعية وفي موقعه الجغرافي . ويكون أثرها عامل استمرار وصلة خلال تطور البلاد التاريخي ، من النواحي المختلفة ، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، من حيث الاتجاهات العامة على الأقل . ولسنا نريد أن نثبت أن العوامل الجغرافية هي العوامل الأساسية ، بل نريد تبيان أن تاريخ أمة ما لا يمكن فهمه دون فهم بيئتها الطبيعية ، وأن هذه البيئة من الأسس المهمة في تطور ذلك التاريخ . فالجوّ يؤثر في طباع السكان ونفسياتهم ، في نشاطهم وخمولهم ، كما أنه يؤثر في تكوين أجسامهم ولون بشرتهم . وخصوبة التربة ووفرة المياه تساعد على توجيه فعالياتهم نحو الزراعة مبدئيا ، كما أن الجدب أو الجفاف يحفزهم إلى اتجاه آخر ، رعوي أو تجاري . ووقوع البلاد على طرق المواصلات يشجعهم على العمل التجاري ، ويساعد على اختلاطهم بغيرهم ، وعلى اتصالهم بثقافات أجنبية ، وعلى التمازج البشري بينهم وبين غيرهم أحيانا . والموقع الجغرافي له أثر في توجيه السياسة العامة ، أو في إحداث نوع من الصلة السياسية بين البلاد والبلاد الأخرى . ولننظر الآن إلى البلاد العربية التي تدعى بشبه جزيرة العرب ، نرى أنها